طارق البشري**

من معالم الاستبداد أن تنتقل الدولة من كونها تعبيرا عن جماعة وأداة للحكم بين الناس إلى التمركز حول شخص الحاكم، والتعبير عن مصالح نخبة ضيقة من بطانته، دونما اعتبار للناس ومصالح المواطنين، فلا يبقى ثمة وجود لقوى سياسية اجتماعية تتجاوز إرادة الدولة وهيمنتها.
وتعني شخصنة الدولة أن النظام السياسي والاقتصادي والبيروقراطي بمؤسساته يتحول من نظام قانوني يناط به الفصل بين الناس بالعدل وإدارة دولاب الحكم، إلى الاندماج في المؤسسات القائمة على التنفيذ المحض لإرادة الحاكم المستبد، وخاضعة للإرادة الشخصية المتوحدة المتسيدة على قمة هرم الدولة. وتسود في هذا النظام التفسيرات والاجتهادات التي تدعم الوضع القائم، وتفرغ الدلالات القانونية المرتبطة بعمومية القاعدة القانونية وتجريدها، فتفرغ القانون من هذا المحتوى الموضوعي ليصير ذا مؤدى شخصي ومشخصن لصالح أفراد وأناس بعينهم ذوي علاقات شخصية برأس الدولة ومن يحيطون به.
وعندما ينظر الباحث في خريطة الأنشطة الأهلية أو المؤسسات الشعبية والتكوينات المدنية، ومدى إمكان قيامها قياما ذاتيا وشعبيا وأهليا حقيقيا، تأسيسا وتمويلا وإدارة ومبادرة بدون هيمنة عليها من الدولة، ويدرس مدى وإمكانات حركتها حركة ذاتية فعالة حرة ومؤثرة في المجتمع بدون قمع لها من جانب لدولة، عندما نتحدث في أمور كهذه يتعين ألا نستفتي المبادئ القانونية المجردة، ولا أن نكتفي بالنظر في القوانين الحاضرة في نصوصها العامة، إنما يتعين علينا أن ننظر إلى المفاد والمؤدى الواقعي الذي صارت مؤسسات الدولة تتبعه في تطبيق هذه المبادئ والنظم والقوانين، ونستدعي سوابق العمل الفعلي القائم وما آل إليه تطبيق وتوظيف القانون، وفق توازنات القوة السياسية والهيمنة الشخصية على مقدرات الأمة، وبهذه النظرة ننتهي إلى أنه ليس مسموحا بوجود مشروع خارج إرادة الدولة المشخصنة، ولا تُقبل حركة ذاتية لأي من التكوينات الأهلية، أو تُعطى أية مشروعية إذا كانت بعيدة عن هذا الفلك المركزي، أو معارضة لمشيئة الدولة المشخصنة. وينتج عن ذلك ببساطة أن أي جهد يبذل لإيجاد تكوين أهلي ذي إرادة ذاتية فاعلة، وأن أي تحريك ذاتي شعبي سيقف بأصحابه في دائرة العمل غير المشروع من وجهة نظر الدولة المشخصنة، وأن أي سعي في هذا الشأن يكون سعيا في مجال العصيان، أي هو سعي يُرى متجاوزا الضوابط والحدود التي تجمدت عندها إرادة الدول المشخصنة.
وذلك سواء كان هذا السعي يجري في إطار الأعمال الأهلية، أم أنه يجري في إطار الدولة ذاتها، ومن داخل مؤسساتها وبواسطة عمالها والقائمين على هيئاتها في غير مستويات القمة العليا. وهنا يقف المجتمع شاء أم أبى على مشارف "العصيان" أو على أهبته، ولكن يتعين أن يتم فهم الأمور على وجهها الصحيح؛ ليكون للكلمات دلالاتها الصحيحة، ويتعين أن نعرف من هو في الحقيقة من يقف في مجال العصيان: هل هم من تحولت الدولة على أيديهم إلى أن تكون شأنا خاصا لهم ولذويهم؟ أم من يريدون ويسعون إلى أن يردوا الدولة إلى صائب معناها وإلى وظائفها الحقيقية بأن تعود الدولة ممثلة للجماعة الوطنية، ترعى الشأن العام للمواطن والشعب؟!. وتحرير مفهوم العصيان وتدقيقه بالقياس لمفهوم الشرعية يعني أن لفظ العصيان يدل على أنه لم تعد ثمة شرعية واحدة تجمع بين الوجود الأهلي بتكويناته وبإرادته الذاتية وبفاعليته الحركية، وبين الإطار الذي تتواجد فيه وتعمل الدولة المتشخصنة في أفراد جد معدودين يقفون على قمة الدولة، وعما قليل إن شاء الله سيظهر إن لم يعد ثمة نطاق شرعي واحد يجمع بين تلك القمة العليا الممسكة بزمام الدولة وبين الدولة ذاتها بهيئاتها وتشكيلاتها وعمالها واسعي الانتشار في أجهزتها العسكرية والمدنية والمتنوعة، وإن من يتابع تحولات الشخصنة وتداعياتها يدرك أن ثمة انفصاما يتم بين قمم بالدولة وبين حجمها الكلي. هنا لا يغدو تعديل الدستور ولا أي من أحكامه هو ما عليه المعول في خروج أمة أو دولة من هذه المحنة التي تسد عليها آفاق الوجود الصحي الحميد، وإنما ما عليه المعول -مع تعديل الدستور وقبله وبعده- هو السعي الحثيث لإيجاد القوى السياسية الاجتماعية التي تستطيع أن توجد وتتحرك وجودا وحركة ذاتيتين، وألا ضمانة تتأتى من تعديل الدستور غير هذا الأمر. بيد أن هذا الإيجاد والتحرك المستقلين لن يتأتيا إلا بالمجهودات العملية التي ستعتبرها الدولة المشخصنة لا محالة من أعمال العصيان، وحين يغدو المطلوب هو إخراج الدولة عن تشخصنها، فكيف نتوقع ألا تعتبر هي ذلك من أعمال العصيان عليها؟!
ويتعين في هذا السياق التعريف بماهية الدولة المشخصنة، لا يكفي أن توصف بأنها دولة الحكم المطلق؛ فالحكم المطلق كثير، وهي ليست مجرد دولة الاستبداد؛ فالاستبداد كثير أيضا، فهي ليست هذه ولا تلك فحسب؛ لأن الحكم المطلق أو الحكم المستبد قد يكون حكم جماعة مهما كانت جماعة ضيقة مثل حكم أسرة ترث السلطة، أو حكم طبقة كالطبقة الرأسمالية العليا، أو حكم طائفة كأي طائفة -دينية أم عرقية- تسيطر على حكم بلد ما. ففي ظل كل هذه الأنواع من الحكومات المطلقة أو المستبدة يشعر الحاكم بأنه ينتمي إلى تكوين اجتماعي محدد ذي وجود مستقل عن الدولة؛ لأن الدولة لم تنشئه، ولأنه سابق الوجود على السيطرة عليها، وذو إرادة تتشكل خارج إطار الدولة، أو يشارك هذا الخارج في تشكلها. فثمة انتماء ما يقوم من خارج أجهزة الحكم ويرد إليها وتتأثر هي به. وثمة مقومات يعتبر بها رأس الدولة ذا علاقة تحكمه من خارج منصبه، أو بالأقل تؤثر فيه وتنعكس مراعاتها أو توجهات مصلحتها في قراراته. أما الدولة المتشخصنة، فإن القائم عليها لا تربطه عائلة قبلية ولا نقابة أو جماعة دينية ولا حزب سياسي أو طبقة اجتماعية، وهو يسيطر بذاته على مفاتيح السلطة، وتصير آلة الحكم وأجهزته كلها تحت إمرته، ولا يقيده إلا الإمكانات المادية للدولة وأجهزتها في الحركة والنفوذ، وهو يتغلب على ضغط عمال الدولة عليه بأن يشخصن الفئة المحيطة به من العاملين معه بإبقائهم في وظائفهم أطول مدة ممكنة، بحيث تحل العلاقات الشخصية محل علاقات العمل الموضوعية، والمهم أنه لا يقوم من خارج إطار أجهزة الحكم ما يكون ذا تأثير عليه، ولا تقوم آلية ما للتبادل والتأثير معه إذا بقيت خارج إطار السلطة والوظائف الرسمية. والدولة هنا في آليات حركتها وتفاعلها تكون منغلقة من دون أية تفاعلات لعلاقة بينها وبين أية قبيلة أو طبقة أو دين أو طائفة؛ ومن ثم يحق أن يوصف هذا النظام بأنه ليس له مثيل في نظم التاريخ الحديث، إلا ما ندر. النظام المتشخصن نظام منغلق، لا ينفتح على خارج ذاته، ولا تقوم آلية ما لإجراء أي تعديل فيه أو تجديد أو تغيير، وأي تعديل أو تنويع فيه إنما يرد بطريقة "الاستنساخ السياسي"، ونحن نعلم أن ال
























